الكمبيوتر الذكي
التواصل الاجتماعي
سوق رحيمة الإلكتروني
العودة   rahimhnet# > واحة رحيمة > ملتقى الماضي والذكريات
ملتقى الماضي والذكريات للتواصل بين اصدقاء الامس وللذكريات الجميلة
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 25 / 08 / 2010, 04 : 10 AM   #1
ابن رحيمة البار
 
تاريخ التسجيل: 09 / 09 / 2006
رقم العضوية: 2264
المشاركات: 3
عبدالله العوشن is on a distinguished road
ذكرياتي في رأس تنوره


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


لا اعرف كيف ابدأ حديث الذكريات، ان كل حكاية تتسابق الى القفز الى سطور كلماتي، و انا في حيرة بأي حكاية تكون البدايه، و لكن سوف ابدأ حديثي مع قدوم عائلتي الى المقاطعه كما يسميها اهل نجد قديما، و لما كان الفقر منتشرا والاعمال شحيحة و طلب العيش يتطلب السفر و الغربة و الانقطاع عن الاهل و الاقارب سنوات طويله، فمنهم من يسافر الى المقاطعه للعمل في ارامكو حينما كانت حديثة و منهم من يسافر الى الشام للتجارة و جلب الارزاق و يعرفون بالعقيلات، و آخرون يسافرون الى الخليج للعمل في الغوص، أما والدي فقد سافر للعمل في خفر السواحل برأس تنوره

قدم أبي منفردا ثم قدمنا اليه بعد فتره، كانت مدينة رأس تنوره صغيرة حالمة، يسودها الهدوء و الطمأنينه. السكان بينهم تآلف لم نعهده من قبل و محبة و عشرة لم تكن في قرى نجد آنذاك، و القلوب بيضاء و النفوس صافيه، و المنازل متلاصقة متراصة يحتمي بعضها ببعض، و الابواب مشرعة لا تغلق، كانت المنازل من البيوت الجاهزة و من الأخشاب، متواضعة لا تعرف البهرجة ولا الفخامة و كانت السعادة لا تفارق ساكنيها، ولا يعرف الحزن طريقاً إلى قلوبهم
المنازل معروفة و اهلها معروفون، و البحر يحيط بها من ثلاث جهات و تتصل باليابسة من جهة واحدة في الواقع كما يدل عليه اسمها قطعة من اليابسة تمد رأسها داخل الخليج العربي، و يقع بالقرب منها ميناء كبير ترسو إليه ناقلات البضائع و المعدات قادمة من الهند و أوروبا و تركيا و اليابان و في الجهة المقابلة يقع خفر السواحل الذي يعمل فيه ابي عسكرياً بمرتبة وكيل يحمل على كتفة أربعة أشرطة
أهالي وعوائل رأس تنوره كالأسرة الواحدة يعرف بعضهم بعضا و النساء و الأطفال أكثر تقارباً و ترابطاً، و الصغار يأتون لمنزلنا فقد كانت والدتي تبيع الحلوى و البسكويت فقد وضعتها في خزانة و هي في الأصل كانت ثلاجة لا تعمل
و منزلنا ملاصق لمحطة توليد الكهرباء من الجهة الغربية و من الشرق يقع منزل إبراهيم السمحان صاحب العقارات و صاحب المكتب الوطني للعقارات بالدمام و كان أبناءه الذكور أصدقاء لي خالد و وليد و يوسف و غيرهم و أختهم صديقة أختي و طالما لعبت مع أولادهم و بخاصة خالد و كنت اذهب إلى منزل الرواف مرات كثيره لألعب مع ولدهم و لكني نسيت أسمه
و خلف منزلنا يقع بيت أم عبدالعزيز و محمد العويني - رحمها الله - و في المقابل منزل إبراهيم الحميدان و يسكن الآن في رحيمة فهو مثال للوفاء، و علم من أعلام مدينة رأس تنورة - أسأل الله تعالى ـ أن يمتعه بالصحة و العافية و له من الأبناء خالد و وليد وعدد من البنات وهن صديقات لأختي و بخاصة الكبيرة و لها موقف طريف لا تزال تتذكره و يذكرني به والدها بين الحين والآخر فقد تعاركتا ذات مره وقضمت أختي أنفها .. و أمهم صديقة لأمي و قد أرضعت أمي بعضاً من بناتها
إني أفتخر بجيرة هؤلاء و أسعد لتذكرها و أطرب و أحتفظ بأجزاء منها في ذاكرتي .. إني اتذكر جيدا منزلهم في رأس تنوره فقد كانت تطل منه شجرة لوز كبيرة طالما أكلنا من ثمارها و طالما لعبنا تحت ظلالها .. و بالقرب منا منزل عائلة الخراز، و قريباً من البحر يقع بيت عبدالعزيز الهويمل تجمعنا قرابة و صلة، و كم من مرة وصل مد البحر إلى المنازل القريبة منه كمنزل الرواف و الهويمل و غيرهم و غمرتهم المياه ليلاً وهم نائمون، و كانت الأسر آنذاك كأسرة واحده يتسامرون معا، و يتزاورن كل يوم و يذهبون إلى الشاطيء معاً و بخاصة الأطفال و النساء على الأقدام، نحمل معنا الأطعمة و المشروبات نقضي خلالها أوقاتاً مليئة بالمتعة و السعادة و السرور
و كم من مرة ذهبت مع أخوتي و والدتي الى الجهة الشرقية و ذلك حينما ينخفض منسوب البحر فنسير مسافة داخل البحر الذي لا يتجاوز منسوبه ركبنا، ثم نسبح حتى نصل إلى جبل صغير تلتصق بأحجاره اصداف المحار، فنجمع منه ما نستطيع حمله إلى منزلنا و نفتحه صدفة صدفه بحثاً عن اللؤلؤ
و بالقرب كانت توجد بقايا سفينة غارقة منذ سنوات، لفظتها أمواج البحر على الشاطيء، و إلى اليسارعلى بعد امتار من الشاطيء يقع بستان من أشجار النخيل


الشاطئ بمنتهى النظافة لا نكاد نشاهد حجراً أو نفايات أو غيرها، رماله ذهبيه و ماء البحر شفاف كعين الحمامه

المرافق في رأس تنورة

تضم مدينة رأس تنورة في الجهة الشمالية مسجداً بالقرب منه مجموعة من الدكاكين المتواضعه مرتبة على شكل حرف u

كما تضم مركزاً لخفر السواحل كان أبي ـ رحمه الله ـ يعمل فيه و قد عمل فيه أيضاً عدد من أقاربي لفترات قصيرة و كذلك بعض الجيران و السكان، و بجوار المركز غرف متلاصقة يسكنها العسكر، و أيضاً يوجد ميناء رأس تنورة وهو غير الميناء الخاص بناقلات البترول، و طالما سمعنا صوت البواخر الضخمة و ناقلات البترول العملاقه و كنا نسميه آنذك بـ( الصيتي )
و ترسو إلى أرض الميناء وتسمى بـ( الفرضه ) السفن الضخمة و الحاويات الكبيرة ( الدوبه ) هكذا كان اسمها آنذاك و كانت تحمل شتى أنواع البضائع من السيارات و المعدات الضخمه إلى المواد الغذائية و الملابس و الأجهزة المتنوعة و يقوم الكرين ( الرافعه ) بنقلها من السفن و الحاويات الى الفرضة و هي واسعة و كبيرة جدا بحيث تتسع لشتى البضائع و المعدات بكميات ضخمة منها، و يمكن ان تقف فيها الشاحنات التي سوف تنقلها الى أماكن أخرى في وقت واحد

كما يوجد مقابل الميناء بناء قديم ضخم و كبير أعتقد أنه مكون من طابقين سقفه عالي و توجد فيه نوافذ كبيرة و مؤمنة بسياج حديدي قوي و يحتوي المبنى على عربات يدوية قوية تنقل الصناديق الكبيرة بواسطتها و يستخدم كمستودع للبضائع والمعدات و له باب كبير يمكن أن تمر منه السيارات
و يوجد في رأس تنورة ايضا غرف مرصوصة بجانب بعضها و في الوسط دورات مياه تسمى ذلك الوقت بـ( اللينات ) و يسكن فيها العمال و الموظفون، ولا يزال توجد مثلها في رحيمه بالقرب من مبنى الشرطة

و من المباني الموجودة و لكن بعيدا عن سكن العوائل موقع نسميه ( كامب الطليان ) فيه يسكن بعض من الأجانب ربما هم إيطاليون أو غيرهم كما أنه فيه إسطبل خيول كنا نستمتع بمشاهدتها و التفرج عليها وهي تقفز فوق الحواجز يمتطيها الشباب و الفتيات، ربما لمسها أحدنا فتشير إلينا السايسة التي تعتني بها بعدم لمسها

و من المعالم ايضا مبنى مكاتب شركة يوسف بن أحمد كانو - رحمه الله - و كانت منظمة و منسقة على خلاف مبني خفر السواحل المهترءه و بيوتنا المتواضعه و غيرها

و لا ننسى مصفاة البترول الكبيرة و التي كانت أساس التجمع السكاني و نشأة مدينة رأس تنوره و مدينة رحيمه


المصدر: rahimhnet#



التعديل الأخير تم بواسطة رحيمة ; 21 / 04 / 2014 الساعة 56 : 02 PM.
عبدالله العوشن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25 / 08 / 2010, 12 : 10 AM   #2
ابن رحيمة البار
 
تاريخ التسجيل: 09 / 09 / 2006
رقم العضوية: 2264
المشاركات: 3
عبدالله العوشن is on a distinguished road

ذكريات في البحـــــر


للبحر ذكريات و قصص كثيرة سأذكر منها أثنتين فقط الأولى أنه ذات يوم ( طبعت دوبه ) بمعنى غرقت سفينة ضخمة في البحر و كانت تحمل على متنها زيت الطعام ( ابو ملعقه و شوكه ) في عبوات مختلفة الاحجام ولا أزال اتذكر شعار الملعقة و الشوكة مرسوماً على كل جالون و صفيحه، و كانت أمواج البحر تتلاعب بها و تقذف بعضها على الساحل و يقوم الأهالي بجمعها، و كانت الكميات كبيرة تزيد عن حاجتهم فيوزعونها على أقاربهم و أصدقائهم، و قد أشتغلت والدتي رحمها الله تعالى في أمرها أياماً عديده .. كانت تحرص على نفع الآخرين و توزيعها على الجيران و الأهالي ..

و مما يذكر انه اذا غرقت السفينة و ذهبت بضاعتها في قاع البحر لا يقوم المسؤولون عن السفينة و أصحاب البضائع بجمعها من القاع لتلفها و لما يتطلبه من تبعات مالية أخرى، و احيانا لا ينقذ البحارة و العمال جميع البضاعة و انما بعضها، فمرة غرقت سفينة تحمل على متنها أجهزة ألكترونية راديوهات و مسجلات و غيرها .. فهب الرجال يغوصون في البحر لالتقاط ما تقع عليه أيديهم مما ترك في البحر و بخاصة أنها كانت ذات وزن يجعلها تسقط حتى قاع البحر و حقيقة كان البحث متعبا و مجهدا و لكنها تستحقه فقد إستفاد من ثمنها الكثير من الأهالي

عن الفرضه و البحر أتذكر فأقول :

أحمل في ذاكرتي عدداً من الحكايات، منها ما ذكرت سابقا ان الحاويات و السفن كانت ترسو إلى الميناء لتفرغ البضائع عليه و كان من بينها ملابس أو ألعاب أطفال أو نحوه و كانت ( الكرين ) ينقل الصناديق الضخمة إلى الميناء فإذا همَ بإنزالها الى الارض يرتطم الصندوق بالأرض فتتكسر جوانب الصندوق و يتبعثر ما فيها فننطلق نحن الصغار نحوها فنأخذ ما نشاء منها و نهرب يمنة و يسرة، كقراصنة البحر، و مرة أخذ ( علُوي الحوطي ) ـ وهو أعرج ـ شيئا ثم هرب فطارده العسكري و لحق به فلما أوشك من القبض عليه قفز علوي إلى البحر، وهنا وقف العسكري ينظر اليه غاضبا و صاحبنا يسبح الى الجهة الاخرى من الشاطيء، فلما التفت إلى ما يحمله وجده مجرد ربطات عنق ( كرفنة ) فضحكنا عليه، لم تكن تشكل لنا الأشياء التي نأخذها أهمية إلا ان كانت ألعابا بل ان مجرد المطاردة هي التي تسلينا و تمتعنا.

و مرات ترسو سفن صيد السمك أو اللؤلؤ الى الفرضة، فتصف ست سفن الى جانب بعضها البعض. فنركب السفينة الملاصقة للرصيف و منها القفز إلى السفينة التي تليها فالتي تليها حتى آخر سفينة ثم نقفز منها إلى البحر و المسافة إلى الشاطئ طويلة، و نتسابق سباحة حتى الشاطئ فرحين مسرورين و كثير من المرات نتفرج على البحارة الذين يعتنون بسفن الصيد و يطلون جوانبها بمادة بيضاء. وأحياناً نمضي إلى المستودع ( الكبره ) فنلعب داخلها بعيداً عن أشعة الشمس و كانت واسعة و ذات طابقين مما يجعل متعة اللعب أفضل وسط صراخ الصبيان



نقطة تحوّل



لم تكن المستجدات في الأحداث و الأخبار كثيرة أنذاك و ربما أن أكثرها لا يشكل أي اهتمام لدى السكان، و بخاصة أنهم بسطاء لا يشغلهم سوى طلب العيش و الكد و الكفاح، ولم نتذكر كأطفال الكثير منها سوى اليسير منها فهذا حادث غرق سفينة في عرض البحر و طفت حمولتها على السطح، او دخول البحر في المنازل القريبة منه، او سفر أحد الأهالي أو زواج أو قدوم غريب إلى المدينة و غيره. و هذه سفينة قدمت من الهند، وفي الأمس جاء من البحرين لنج ( سفينه مصنوعه من الأخشاب )، و احيانا تأتي من دول لا نعرفها سفن ضخمة تحمل سيارات و معدات غريبه، ولم نكن نعي من أخبار العالم و أحداثه شيئا

كانت أحداث مدينتنا هي ما يصلنا و غالبا ما يهمنا نحن الأطفال، و أتذكر أن أهلنا كانوا يحذروننا من أخذ الحلوى التي نجدها مرمية في الطرقات، ولا ندري ما هو السبب حتى الآن ومن الذي يرميها
و لكن الحدث الاكبر و الذي يعتبر نقطة تحول في المدينة و عليه قامت إجراءات و صدرت قرارات تخص مصير الأهالي و السكان ولم يشركوا في رأي ولا قول تقديراً لهم ولإنسانيتهم، بل بين عشية و ضحاها وجدوا أنفسهم في العراء، ولم يؤمن لهم سكن وهم الفقراء المعوزين، وهم الذين تغربوا للعيش و لخدمة وطنهم، و قضوا حياتهم تحت سحب دخان مصافي البترول، وذاقوا ألوان البؤس و الجوع سنوات، ولم ترحمهم حرارة الجو، ولم يتذوقوا رغد العيش الذي كان يشاهد عند الاجانب من امريكيين و اوربيين و نحوهم، فانتقل الجميع الى رحيمه و سكنوا فيها و استسلموا للواقع المرير حتى فرجها الله تعالى



فما هو هذا الحدث الكبير؟
قبل أكثر من أربعين عاما و تحديداً في يوم من أيام الشتاء البارده من عام 1386هـ عدت من مدرستي ( مدرسة رحيمة الثانية ) فلما وصلت إلى وسط مدينة رأس تنورة شعرت بأن هناك أمر ما. و كنا ننزل من السيارات بعيداً عن منازلنا لأنه لم تكن هناك سيارات خاصة لنقل الطلاب فكل يوم له في الذهاب من وإلى المدرسة قصة تختلف عن اليوم السابق
أنزلتنا السيارة قرب فرضة صغيره تخص شركة أرامكو، يعمل فيها رجال، وفي البحر كانت ترسو إليها بعض السفن، ذهبت باتجاه البيت حتى اذا أقبلت على الميناء الرسمي للحاويات رأيت سيارات كثيرة و أشكالها غريبة لم نعهدها من قبل سيارات كبيرة سيارات حمراء إنها سيارات الإطفاء بعضها يخرج منها خراطيم طويلة تتصل بسيارات تحمل على متنها خزانات لمياه كبيرة و بعضها قد تدلى في مياه البحر و جميعها ممتدة بأتجاه واحد إلى المنازل فلما رفعت نظري صوبها اذا بي أرى ألسنة النيران الحمراء و كثبان الدخان في السماء. فهرعت راكضاً فإذا الرجال حول البيوت يهبون في إطفاء الحريق الكبير، و البيوت قد غابت خلف ألسنة النيران و لم يعد يظهر شيئ منها
هؤلاء يذهبون و أولئك يعودون و الجميع في هرج و مرج و اطفال في ذهول، يركضون يمنة و يسرة. بحثت عن أحد في سني يعطيني إجابة عما حدث و ما جرى. و لكن الجميع مشغولون، ولا أحد يلتفت إلى الصغار فلما مضى وقت اذا بالنيران قد قصرت أعمدتها و بقايا البيوت لم تزل تحترق ولم يبق إلا حطام الأثاث، و قطع سوداء من الأخشاب، و بقايا البيوت و غاب شكلها المعهود ولم أعد أعرف أين كان بيتنا و أين بيت السمحان و بيت فلان و فلان ذهبت كلها و انتهت، فأصبحت أثراً بعد عين
التفت يمنة و يسرة اسأل عن أهلي عن أمي و أبي، و عندها قيل لي أن أمك هناك جالسة مضيت الى حيث أشار فرأيتها - رحمها الله تعالى - تجلس على التراب على مسافة من البيت رأيتها تضع يدها على خدها و قد أثقلها الهم والحزن تفكر في صمت بما حصل و بالمستقبل الذي غابت ملامحه و عيناها مسبلتان. سلمت عليها، قلت لها ببراءة : لقد أحترق بيتنا و أحترقت بيوت الجيران كلها، ماذا حصل يا أمي؟ و لكن الأم في هم لا يسعها الكلام


التعديل الأخير تم بواسطة رحيمة ; 21 / 04 / 2014 الساعة 04 : 03 PM.
عبدالله العوشن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25 / 08 / 2010, 14 : 10 AM   #3
ابن رحيمة البار
 
تاريخ التسجيل: 09 / 09 / 2006
رقم العضوية: 2264
المشاركات: 3
عبدالله العوشن is on a distinguished road

ما هو سبب الحريق؟


لقد سمعت والدتي مراراً تحدث النساء في المجلس و تحكي لهن قصة الحريق و أسبابه فمما سمعته منها :

اننا كنا في فصل الشتاء نوقد النار في المنقد ( حوض من المعدن له اربعة أرجل ) حيث نضع فيها فحماً و نشعله حتى يتجمر فنتحلق حولها طلباً للدفئ. و في ذلك اليوم وضع الوالد رحمه الله تعالى الجمر في المنقد ولم يضع فيه أولاً تراباً حتى يخفف الحراره على أرض المنقد. أوقد والدي المنقد و ذهب إلى عمله و كانت والدتي فقط في البيت، أما أنا و أخوتي فقد كنا في المدرسة، و ربما ذهبت أمي إلى الجيران، أحترق المنقد فسقط النار على الأرض و قد كانت البيوت من الأخشاب. احترقت الغرفة، عادت أمي الى البيت فلما رأت النار في الغرفة هبت مسرعة لتدخلها و تتمكن من التقاط حقيبة فيها أموال و أشياء فانحشرت بين أسنة النار فصارت تصرخ فسمعها محمد ابن الجيران فأسرع اليها و رمى إليها غترنه فلما أمسكت بها جذبها فأنقذها، و أخرجها، و احترقت الغرفة في دقائق فالبيت و بسرعة هائلة وصلت النيران الى بيت الجيران ثم أتت النيران على بقية المنازل المجاورة كلها، ولم يبق شيء إلا ما كان منفصلاًًًًً عنها بطريق أو بعيداً عن ألسنة النيران.

أنتقلنا بعد الحريق إلى مدينة رحيمة و هناك سكنا لأول مرة في بيت مسلح ( طابوق و اسمنت و بلاط )، استغربت كيف انتقلنا فجأة من رأس تنورة إلى بيت هكذا بين يوم و ليلة جلسنا فقط بعض يوم عند أحد من الجماعة أكلنا طعام الغداء في العصر متأخراً، و أعتقد أننا نمنا و في الغد ذهبنا مشياً على أقدامنا الى بيت خال تماما من الاثاث فسكنا فيه

و أستغربت مرة اخرى كيف حصلنا على بيت بهذه السرعة، و لكن الاستغراب قد تبدد حينما علمت بأن والدي كان قد أشتراه في وقت سابق بأربعة عشر الف ريال و كان فيه غرفتان و حمام و صالة و مطبخ و مكان للدجاج و الغنم و غيرها.. سعدنا به جدا، فالمدرسة اصبحت قريبة منا، و بالقرب منا جيران جدد و اناس سوف نتعرف عليهم قريبا، و لأول مرة نرتاح من ضجيج مكائن الكهرباء الملاصقة لبيتنا في رأس تنوره، و شاهدت لأول مرة ترتيب المنازل الجميل و الشوارع المنظمه، و المسجد الجامع، و رأيت الأسواق المنظمه و بضائع مختلفه و مبنى أرامكو و نجمه و محطات البنزين و أنواع من السيارات، و سفلتة الشوارع وعمال النظافه.

أنتقل سكان مدينة رأس تنورة إلى مدينة رحيمة و القليل سكن الدمام فالشرياني و الخراز و السمحان و الحميدان وغيرهم سكنوا رحيمة، و بيتنا لا يزال باقيا حتى اليوم. و قضينا خمسة عشر عاما في رحيمه، و بعد ذلك تقاعد والدي من العمل الحكومي فانتقلنا إلى الرياض و جلسنا أياما ثم عدنا الى رحيمة مرة اخرى ثم اشترى والدي بيتا آخر بسبعة عشر ألف ريال وهو البيت الركني المقابل لمدرسة العلاء بن المعري الإبتدائية قبل هدمها و مقابل معهد المعلمات.

و جلسنا فيه سنوات ثم ان الظروف تغيرت و أصبح والدي متقاعدا، و شعر والدي بكبر سنهما و رغبت أمي في السكن بالقرب من الأقارب و الجماعه، و بخاصة انه لم يعد هناك ما يجبرنا على البقاء بعيدا عنهم، علاوة على ان الفرقة و الابتعاد عنهم قد طال و توفي بعضهم ولم نشاهدهم، فاضطررنا لتلك الأسباب و لغيرها للرحيل المر، و انتقلنا في عام 1396هـ الى الرياض بعد ان امضينا في الشرقية او كانت تسمى ( المقاطعه ) ما يقارب السبعة عشر عاماً كانت أجمل سنوات عمري و أحلاها و بخاصة ما كان في رأس تنورة. ولم يكن انتقلنا مجانا فقد دفعنا الثمن غاليا، فأبي لم يشعر هناك بالراحة ابدا، و اصبح كالسمكة التي اخرجت من البحر، سافرت به الى الحجاز والى الجنوب قبل ان تعرف ظاهرة السياحة الداخليه و قبل ان تكون هناك طرقا معبده محاولا ان ينسى ألم الفراق ولكن بلا جدوى. زادت الأمور سوء، أصيب بمرض السرطان، تردد على مستشفى التخصصي بالرياض، و كثرت مراجعاته، و كثر تطبب الدكاترة الاوربيون فيه، ولم تفلح تجاربهم و أبحاثهم، حاول ان يقاوم و أن يقهر المرض بلا فائده، فتوفي عندئذ عند بوابة المستشفى وأنا أهم بالدخول، أما أنا فلم أستطع الانقطاع عن رحيمة ولم أستطع نسيانها، فلم أزل أزورها بين الحين و الآخر، و أعرف أقاربي بها و امتدحها عندهم.

أما عن رأس تنوره فلم أنسها يوما ما، فحينما انتقل الأهالي منها الى رحيمه، وما زال ابي على رأس العمل، كنت أحمل دفترا قد ختمت أوراقه بختم خفر السواحل، فبمجرد أن اكتب فيها يسمح لحاملها بالدخول، أوقعها بنفسي، و حينما يقف الباص عند البوابه و يصعد ( السكورتي ) الذي يتفقد بطاقات العمال والموظفين، و يلتفت الي أعرضها عليه فيقرأها و يسمح لي بالدخول، و بقيت على تلك الحال سنوات، أدخل فأقضي يومي سعيدا مسرورا اسبح في البحر و أقطف ثمار اللوز، و اتمشى على شوطئها، و بين مرافقها، و احدث هذا و ذاك، فلما تقاعد الوالد عن العمل، لم يعد بالإمكان الدخول اليها، ولا أزال أتطلع الى زيارتها و أتمنى الدخول و استعادة ذكرياتها الأولى، و أشاهد أطلال منازلنا أنذاك، و أشجار اللوز و بستان من النخيل و شواطئها الساحرة و سائر أماكنها الجميلة.

عبدالله العوشن غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25 / 08 / 2010, 48 : 11 AM   #4
مراقب عام
 
الصورة الرمزية اللورد
 
تاريخ التسجيل: 04 / 01 / 2004
رقم العضوية: 5
الدولة: في عيوووون البشر
المشاركات: 43,033
اللورد is on a distinguished road


على الرغم من قرائتي لها اكثر من مره الا اني اجد فيها حنين وشعور غريب متجدد

سرد لايتقنه الا كبًار الكتًاب وحديث له شجون وذكريات لاتنسى وماضي ابدع في وصفه

موعودون ايضا بتكمله الاجزاء كما وعدنا ان سمح الوقت

شكرا للاستاذ والاخ العزيز / عبدالله العوشن ( ابو محمد )

وعلى فكره هو مديري في العمل

التوقيع
أعبر جسور الحياة بسعادة وفرح !
اللورد غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25 / 08 / 2010, 18 : 12 PM   #5
ابن رحيمه
 
الصورة الرمزية من الرياض
 
تاريخ التسجيل: 06 / 03 / 2007
رقم العضوية: 3115
الدولة: الرياض
المشاركات: 8,494
من الرياض is on a distinguished road


الاخ عبدالله العوشن

سرد رائع واستمتعت بقراءته

واصل اخي الحبيب فنحن بحاجه الى مثل هالذكريات الجميله عن مدينه رحيمه


سلمت يمينك

من الرياض غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25 / 08 / 2010, 24 : 02 PM   #6
ابن رحيمه البار
 
الصورة الرمزية يوسف الملا
 
تاريخ التسجيل: 02 / 04 / 2009
رقم العضوية: 17962
الدولة: في أرض الخير
المشاركات: 3,517
يوسف الملا is on a distinguished road

ذكريات جميلة جداً
أسعدتني كثيراً ولم أستطع التوقف عن قراءتها حتى أكملتها.
استمر أخي عبدالله العوشن فكتابتك راقية وعرضك للذكريات ممتع.
في انتظار المزيد من الذكريات.


التوقيع
حين تنشغل برسم أحلامك أغلق أذنيك عن ما يقولون .. سيصمتون حين يخطفهم جمال اللوحة !!
نجم الحصيني
يوسف الملا غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25 / 08 / 2010, 40 : 02 PM   #7
Executive Director
 
الصورة الرمزية رامـــــس
 
تاريخ التسجيل: 17 / 01 / 2005
رقم العضوية: 1020
المشاركات: 11,519
رامـــــس is on a distinguished road


كم انت رائع يا سعادة الاستاذ

رواية اتمنى ان لا تنتهي


متابع بشووووووووووووق


التوقيع

نحن لا نملك تغيير الماضي... ولا رسم المستقبل بالصوره التي نشاء...

فلماذا نقتل أنفسنا حسره على شيء لا نستطيع تغييره ؟؟


رامـــــس غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25 / 08 / 2010, 04 : 05 PM   #8
][ صريح جداً ][
 
تاريخ التسجيل: 27 / 05 / 2007
رقم العضوية: 3939
المشاركات: 2,289
ابوسلمان is on a distinguished road

ماشاء الله عليك يابن عوشن فى سرد الماضي
واصل ابداعاتك الرحيماوية


اللورد_______خل عنك المرايش مع المدير المباشر

التوقيع
ابوسلمان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25 / 08 / 2010, 57 : 06 PM   #9
مبدع
 
الصورة الرمزية الخطير
 
تاريخ التسجيل: 01 / 02 / 2005
رقم العضوية: 1060
المشاركات: 14,319
الخطير is on a distinguished road

قصص شيقة وممتعه
اتحفنا بها الاستاذ عبدالله

التوقيع

الخطير غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 25 / 08 / 2010, 43 : 07 PM   #10
مـيــ مـشـاكلـ ـشـو
 
الصورة الرمزية قـاهـرهـم
 
تاريخ التسجيل: 24 / 09 / 2005
رقم العضوية: 1681
الدولة: فوق الأرض التي " تحت أقدامي " !
المشاركات: 7,151
قـاهـرهـم is on a distinguished road

استاذ عبدالله العوشن

كم انت رائع في سرد الذكريات من الماضي الجميل

استمتعت وكأنني حاضر معك في كل صغيرة وكبيرة من ذكرياتك

أسأل الله ان يغفر لوالديك وان يوفقك لما يحب ويرضى

التوقيع


قـاهـرهـم غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من ذكرياتي صور السفانيه عام 83 الثميري ملتقى الماضي والذكريات 15 09 / 06 / 2010 17 : 10 AM
ذكرياتي فيصل المطلق مشاعر وشعراء 9 12 / 02 / 2010 39 : 11 AM
( دائرة ذكرياتي )..الأهداء :لسعود الشبرمي سلامة الحريّص مشاعر وشعراء 10 26 / 11 / 2006 06 : 11 PM
ذكرياتي مع رحيمة آل سمها الغامدي ملتقى الماضي والذكريات 5 19 / 11 / 2006 02 : 02 PM
ذكرياتي فلاش alsary4u هوايات ومواهب 5 09 / 02 / 2005 04 : 03 PM



الساعة الآن 42 : 05 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
لا تتحمّل منتديات رحيمة أيّة مسؤوليّة عن المواد الّتي يتم عرضها أو نشرها في المنتدى. ويتحمل الكتاب بالتالي كامل المسؤولية عن كتاباتهم وإدراجاتهم التي تخالف القوانين

Security team